الشنقيطي

290

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فوارس لم يغالوا في رضاع * فتتبوا في أكفّهم السّيوف فأخبرته صلّى اللّه عليه وسلّم فارس والروم بأنّهم يفعلون ذلك ولا يضرّ أولادهم ، فأخذ صلّى اللّه عليه وسلّم منهم تلك الخطّة الطّبيّة ، ولم يمنعه من ذلك أنّ أصلها من الكفّار « 1 » . وقد انتفع صلّى اللّه عليه وسلّم بدلالة ابن الأريقط الدّؤلي له في سفر الهجرة على الطّريق ، مع أنّه كافر « 2 » . فاتّضح من هذا الدّليل أنّ الموقف الطّبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربيّة - هو أن يجتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النّواحي المادّيّة ، ويحذروا ممّا جنته من التّمرّد على خالق الكون جلّ وعلا فتصلح لهم الدّنيا والآخرة . والمؤسف ! أنّ أغلبهم يعكسون القضيّة ، فيأخذون منها الانحطاط الخلقي ، والانسلاخ من الدّين ، والتّباعد من طاعة خالق الكون ، ولا يحصلون على نتيجة ممّا فيها من النّفع المادّي ؛ فخسروا الدّنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين . وما أحسن الدّين والدّنيا إذا اجتمعا * وأقبح الكفر والإفلاس بالرّجل وقد قدّمنا طرفا نافعا في كون الدّين لا ينافي التّقدّم المادّي في سورة « بني إسرائيل » في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقد عرف في تاريخ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه - أنّهم كانوا يسعون في التّقدّم في جميع الميادين مع المحافظة على طاعة خالق السّموات والأرض جلّ وعلا . وأظهر الأقوال عندي في معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 78 ) أنّ المعنى : أم أعطاه اللّه عهدا أنّه سيفعل له ذلك ، بدليل قوله تعالى في نظيره في سورة « البقرة » : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ [ البقرة : 80 ] . وخير ما يفسره به القرآن القرآن . وقيل : العهد المذكور : العمل الصّالح . وقيل شهادة أن لا إله إلا اللّه . قوله تعالى : سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً ( 80 ) [ 79 - 80 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه سيكتب ما قاله ذلك الكافر افتراء عليه . من أنّه يوم القيامة يؤتى مالا وولدا مع كفره باللّه ، وأنّه يمدّ له من العذاب مدّا . قال القرطبيّ في

--> ( 1 ) أخرجه عن جدامة بنت وهب الأسدية : مسلم في النكاح حديث 140 و 141 و 142 ، وأبو داود في الطب حديث 3882 ، والترمذي في الطب حديث 3076 ، والنسائي في النكاح ، باب الغيلة ، وابن ماجة في النكاح حديث 2011 ، وأحمد في المسند 6 / 434 . ( 2 ) أخرجه عن عائشة البخاري في الإجارة حديث 2263 و 2264 .